الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
54
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
بالأمطار المادية المباركة . ومن الملاحظ في سياق هذه الآية أنه يقول " يرسل السماء " فالسماء تكاد أن يهبط من شدة هطول الأمطار ! وبما أنها أمطار رحمة وليست نقمة ، فلذا لا تسبب خرابا وأضرارا ، بل تبعث على الإعمار والبركة والحياة . ثم يضيف : ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا وبهذا فإنه وعدهم بنعمة معنوية كبيرة ، وبخمس نعم أخرى مادية كبيرة ، والنعمة المعنوية الكبيرة هي غفران الذنوب والتطهير من درن الكفر والعصيان ، وأما النعم المادية فهي هطول الأمطار المفيدة والمباركة في حينها ، كثرة الأموال ، كثرة الأولاد ( الثروات الإنسانية ) ، الحدائق المباركة والأنهار الجارية . نعم ، إن الإيمان والتقوى يبعثان على عمران الدنيا والآخرة بشهادة القرآن المجيد ، وورد في بعض الروايات ان قوم نوح المعاندين لما امتنعوا من قبول دعوته حل عليهم القحط وهلك كثير من أولادهم ، وتلفت أموالهم ، وأصاب نساءهم العقم ، وقل عندهن الإنجاب ، فقال لهم : نوح ( عليه السلام ) : إن تؤمنوا فسيدفع عنكم كل هذه البلايا والمصائب ، ولكنهم ما اتعظوا بذلك واستمروا في غيهم وطغيانهم حتى حل العذاب النهائي . ويعود نوح ( عليه السلام ) مرة أخرى لينذرهم ، فيقول : ما لكم لا ترجون لله وقارا ( 1 ) ، ولا تخافون عقابه وقد خلقكم في مراحل مختلفة : ويقول أيضا : وقد خلقكم أطوارا . كنتم في البداية نطفة لا قيمة لها ، ثم صوركم علقة ثم مضغة ، ثم وهبكم الشكل الإنساني ، ثم ألبسكم لباس الحياة ، فوهب لكم الروح والحواس والحركة ، وهكذا طويتم المراحل الحنينية المختلفة الواحدة بعد الأخرى ، حتى
--> 1 - " الوقار " : الثقل والعظمة ، و " ترجون " من أصل رجاء بمعنى الأمل وهو ملازم للخوف ، ومعنى الآية لماذا لا تخضعون لعظمة الله تعالى .